لا جدال في أن كل لغة حية في مجتمع عام متطور يجب أن تخضع لسنّة النحو وسمة التطور،
لأن ذلك من دعائم الحياة، ولأن حياة اللغة مرتبطة بحيوية الذكر الإنساني وتقدمه،
فهي إذن أداة تفكيره ووسيلة تغييره، وتوقفها عن النمو معناه الفناء والزوال، مثلما
يقود ركود الفكر نحو التخلف والضمور والاضمحلال، ونمو اللغة يعني تزايد مستمرا في
محتواها من المصطلح الحضاري والعلمي للوفاء بمتطلبات التقدم العلمي والتقني
والحضاري، وهي متطلبات تتنامى يما بعد يوم.
يقول
ديكارت: يمكن اعتبار اللغة بمثابة الحياة الحقيقية التي تفرق بين الإنسان وبين
الحيوان.
إن قدرة كل
إنسان على استعمال اللغة بهدف التواصل بينه وبين الآخرين تبدو لنا مسألة شاملة
وكلية وطبيعية إلى حد أننا لا نحاول غالبا التفكير بها ومن ثمة تحليلها، فكل طفل
سوي قادر على أن يتكلم كما هو قادر على أن يأكل ويمشي, هذه القدرة دفعت العديد من
الناس بأن يطلقوا على الإنسان بأنه حيوان ناطق، وعلى هذا فلا يمكن أن يفهم من
كلامنا هذا بأن الحيوان ليس له أية وسيلة اتصالية، بل تكشف الملاحظة العلمية
الدقيقة أن بعض الحيوانات تستعمل تنظيما اتصاليا على قدر كبير من الدقة ، إلا أنه
يختلف كميا ونوعيا، فعندما وضع شومسكي نظريته التوليدية التحليلية، فقدّر أن
المتكلم في تقدير المذهب السلوكي يستمع إلى جملة معينة، أو يشعر بدافع معين،
فتستثار فيه استجابة كلامية من دون أن ترتبط هذه الاستجابة بأي شكل من أشكال
التفكير، بل ترتبط فقط بالمثيرات التي تحركها، فلا تتطلب بالتالي تدخّل الأفكار
الذهنية أو القواعد النحوية.
تقوم اللغة
الإنسانية على عدد تنظيم متفتح وغير مغلق من العناصر، تتجلى فيه السمة الإبداعية
عبر مقدرة المتكلم على إنتاج وعلى تفهم عدد غير متناه من الجمل لم يسبق له سماعها
من قبل.
ترتبط هذه
المقدرة بصفة أساسية بتنظيم قوانين لغوية يتيح لمن يدركه أن ينتج بواسطة الجمل
الغير المتناهية، وأن يفهم أيضا بموجب التنظيم نفسه الجمل التي ينتجها الآخرون.
فعندما
يتكلم شومسكي عن آلية محددة وقادرة على إنتاج عدد غير متناه من الجمل، فهو يحلل في
حقل اللغة. والسؤال الذي يطرح: كيف للعقل الإنساني وهو جهاز محدود وقادر على القيام بنشاطات هي في الحق بطبيعتها
غير متناهية.
يتصف
المظهر الإبداعي في اللغة بالمميزات التالية:
ü
إن استعمال اللغة طبيعي
تجددي، فكل ما يتلفظ به الإنسان غالبا تعابير متجددة، ولا يمكن اعتباره تردادا لما
سبق وأن سمعه.
ü
يثبت الاستعمال اللغوي
تماسك اللغة وملاءمتها لظروف التكلم، وما يمكن قوله أن الإبداعية في اللغة تلوح في
قدرة متكلمها على إنتاج عدد غير متناه من جمل اللغة وفقا لتنظيم قواعد، هو غاية في
التعقيد.
الطفل واللغة
إن الأصوات
التي يقوم بها الأطفال والكلمات المنفردة التي ينطقون بها، والتي غالبا إعجاب الأهل
وبهجتهم لم تكن في حقيقة الأمر مثار اهتمام الباحثين اللغويين القدامى، أما في ظل
النظرية التوليدية التحليلية، فإن دراسة الطفل تتخذ دراسة لغة الطفل منحا
بسيكوألسنيا حيث لا يمكننا أن نبرز الاهتمام بالأصوات التي ينطق بها الطفل والتي
غالبا ما تكون مبهمة إلا في إطار اهتمامنا بالطفل وارتباط لغته بلغة المحيط،
وعلاقتها بالفكر الإنساني عامة، و قبل معالجة موضوع نمو الطفل اللغوي نشير إلى ما
يلي:
1.
إن اكتساب اللغة هنا على
نسق واحد بالنسبة إلى جميع أطفال البيئة اللغوية الواحدة، وغير المصابين بأي عارض
مرضي يعيق نموهم اللغوي الطبيعي.
2.
يكتسب الطفل لغته عن طريق
سمعه لجملها ومحاولته تكملتها، ولا يحتاج في الحقيقي إلى من يمده بصورة منظمة بمادة
لغوية، ويتولى إما مكافأته وإما تأنيبه، وفقا لإجادته التعلم أو لتقصيره فيه,
3.
في نحو السنة الأولى من
عمره ينطق الطفل السوي ببعض الكلمات المنفردة، وفي عمر سنة ونصف أو سنتين، يركب
الطفل جملا مؤلفة من كلمتين متتابعتين، أو من ثلاث كلمات، وفي السنة الرابعة من
عمره يكون قد اكتسب بنى لغته بمجملها.
4.
فيما يختص باللغة التي
يكتسبها الطفل، ينبغي ألا تتعدى خصائصها بصورة أساسية قدرات الطفل الطبيعية على
استعادتها وإلا استحال عليه اكتسابها.
5.
إن الطفل الذي يكتسب لغة
البيئة التي يترعرع فيها يكتسب في ذاته الكفاية اللغوية، أي يكتسب بصورة ضمنية
قواعد اللغة التي تتيح له إنتاج جمل اللغة ويفهمها، والانطباع الذي يمكن أن نخرج به
أن ذهن الطفل مهيأ بشكل من الأشكال لإتمام إكمالية التكلم، فهو يمتلك في ذاته كفاية
تتلقى المظاهر اللغوية التي يسمعها في عائلته وفي بيئته،ويقوم بتحويلها إلى كلام هو
في الواقع مختلف عن كلام الكبار من حيث مظاهره.
الثنائية القائمة بين الفصحى
والعامية:
هي معطى من
المعطيات الاجتماعية لا سبيل إلى إنكاره، لكن الغريب في الأمر أن دعاة العامية في
بعض البلاد العربية، كأنهم يتوهمون أو يريدون أن يوهموا، أن هذه المشكلة إنّما هي
وليدة العصر، وان اللهجات العامية إنما هي نتيجة حتمية من نتائج تطور الفصحى على مر
العصور، ومظهر من مظاهر مواكبة هذه اللغة لمقتضيات العصر:
أ.
إن القضية قديمة قدم اللغة
العربية، وقد اتخذت أبعادا أخرى لها بعد انتشار الإسلام. يقول عبد الرحمن ابن
خلدون، بعد أن أوضح كيفية تداول اللغة من جيل إلى جيل عن طريق السماع وتكرار
الاستعمال:
"هكذا تصيرت الألسن واللغات من جيل إلى جيل
وتعلمها العجم والأطفال. وهذا هو معنى
ما تقوله العامة من أن اللغة للعرب بالطبع
أي بالملكة الأولى التي أخذت عنهم ولم
يأخذوها عن غيرهم. ثم فسدت هذه الملكة
لمضر بمخالطتهم الأعاجم. وسبب فسادها أن
الناشىء من الجيل صار يسمع في العبارة عن
المقاصد كيفيات أخرى غير الكيفيات التي
كانت للعرب فيعبر بها عن مقصوده لكثرة
المخالطين للعرب من غيرهم ويسمع كيفيات العرب
أيضاً فاختلط عليه الأمر وأخذ من هذه وهذه
فاستحدث ملكة وكانت ناقصة عن الأولى.
وهذا معنى فساد اللسان العربي، ولهذا كانت
لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها لبعدهم عن بلاد العجم من
جميع جهاتهم"
ب.
إن دعاة العامية يقيسون
الأمور بغير نظائرها حينما يشبهون الفصحى بلغة ميتة مثل اللاتينية واللهجات العامية
باللغات الأوروبية المنبثقة عن اللاتينية. وقد تجاهلوا أن اللغة الفرنسية مثلا
اشتملت، ومازالت تشتمل على لسانين، أحدهما فصيح وهو المتعامل به في الدوائر العلمية
والثقافية، والآخر عامي وهو أداة الاتصال بين عامة الناس. كما غاب عنهم كذلك أن
للفصحى مستوياتها، وكذلك العامية هي الأخرى، سواء أكان هذا بالنسبة إلى اللغة
العربية أو بالنسبة لبقية اللغات الأخرى. وهذه المستويات رهينة ظروف الناطقين بهذه
اللغات وتلك اللهجات. فهي تقلبات التاريخ وما تفضي إليه من ارتفاع حضارة القوم أو
انحطاطها، وهي كذلك تقلبات الأحداث بالنسبة إلى أصناف من البشر داخل المجموعة
البشرية الواحدة، فيرتفع مستوى التعبير عندهم أو ينحدر بالقدر الذي تمليه هذه
الأحداث. ومهما يكن من أمر، فإن الفصحى والعامية متعايشتان في كل فترات التاريخ
وعلى اختلاف الأمم واللغات، وأن أرقى درجات العامية يكون مشدودا إلى أدنى درجات
الفصحى، وان درجات الفصحى تختلف باختلاف العصور وباختلاف قدرات المتمرسين فيها.
فبالنسبة إلى اللغة العربية، إن كان المثل الأعلى في مجال الفصحى هو القرآن الكريم،
فإن مستويات التصرف فيها تبقى متراوحة بين الابتذال والإعجاز. وكذلك العامية، فهي
تمتد من كلام السوقة وعامة الناس إلى لباقة أعيان القوم وتكلف الظرفاء. وهذا مع
العلم بأن لهجات البدو غير لهجات الحضر التي هي الأخرى غير لهجات أهل المدر. والفرق
في هذا المجال بين اللغة العربية ومختلف لهجاتها المحلية (أي العامية) هو غير الذي
نشاهده بالنسبة إلى اللغات الأخرى، وذلك أن اللهجة المحلية العربية مهما خالطتها
الأصوات الأجنبية (مثل الأصوات البربرية في بلاد المغرب أو التركية أو الفارسية أو
الكردية في بلاد المشرق)، ومهما تسربت إليها المفردات والتراكيب الواردة من اللغات
الأجنبية التي احتكت بها، فإنها تبقى في هيكلها العام وفي قدرتها على تبليغ المعاني
الأساسية وفي أغلب تراكيبها ومفرداتها وصيغها البلاغية، فريبة جدا من النموذج
الفصيح، بل قل أن هذا النموذج ما فتئ يغذيها بصورة شعورية أو غير شعورية لما يتخلل
الحياة اليومية ولغة التعامل فيها من معان إسلامية جاءت لغة القرآن والحديث والأثر
المنقول تطعمها بصورة دائمة، حتى في الأوساط التي سادها الجهل والأمية في عصور
الركود. وإن كانت بداية اكتساب اللغة عند الإنسان تكمن في تمرس المسامع على
أصواتها، فإن مجرد الاستماع إلى الشهادتين والأذان والقرآن في البيئة المسلمة يكفي
لتعويد السامع منذ الولادة على مخارج حروف اللغة العربية، وعلى ما تستلزمه من إشباع
ومد وإدغام وتفكيك وترخيم وتفخيم، بالإضافة إلى ما توحي به المفردات والتراكيب من
معاني الشهادة والتوحيد والربوبية والرسالة: وهي معاني كلية تتجه إلى العقل وإلى
المدارك الذهنية، كما تستلهم الوجدان ضمن هذه اللغة، قيمة تتخطى بها بقية اللغات
الأخرى. ثم إن الإسلام لكونه لا يفصل بين أمور الدنيا وأمور الدين، قد أوجد مجتمعا
جاءت فيه المفاهيم الدينية تتخلل كامل مظاهر الحياة اليومية، فباتت لغة التخاطب
اليومي على اختلاف الأقاليم مرقعة بعبارات البسملة والحمد والتسليم والدعاء والصلاة
والسلام، وغير ذلك من مظاهر السلوك اللغوي النابع من موقف كلي يكتسبه الإنسان
السليم منذ نشأته الأولى، فيضفي على كلامه أسلوبا يجعله ذا صلة وثيقة بالأنموذج
الفصيح، حتى وإن كان المتكلم أميا. وهذا من أجل مظاهر عبقرية الإسلام الذي لم يجعل
من اللغة العربية مجرد أداة لتبليغ قيمه ومفاهيمه، بل جعلها كذلك قيمة أساسية من
هذه القيم. إذ بها نزل الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم فباتت هذه اللغة أداة وصل
بين السماء والأرض، واللغة التي بها يتوجه المخلوق إلى خالقه في صلاته ودعائه
وابتهاله. فكل هذه العوامل تجعل اللغة العربية الفصيحة تحتل من شعور الإنسان العربي
ومن لا شعوره كذلك مكانة لا نجدها عند بقية المجموعات البشرية الأخرى التي جاءت
اللغة الفصيحة عندهم لا تتمتع بالمكانة التي حظيت بها اللغة العربية، باعتبارها لغة
الوحي. ثم إن لهجاتها العامية في أغلب الأحيان قد جاءت من حيث صلتها باللغة الفصيحة
على عكس ما قامت عليه صلة العربية الفصيحة باللهجات العربية العامية. فالأولى مثل
ما هو قائم في فرنسا أو إسبانيا أو ألمانيا، قد جاءت اللهجات المحلية فيها تمثل
بقايا لغات قديمة منفصلة تماما عما يسمونه باللغة القومية، إلا أنها بدافع مقتضيات
الحياة اليومية قد اضطرت إلى أن تقتبس الكثير من اللغة القومية فيحصل بذلك التحريف
في هذه اللغات المحلية القديمة كي تساير اللغة القومية، دون أن تفتقد هذه اللغات
مميزاتها، وتبقى الثنائية قائمة بينها وبين اللغة القومية. وهذا ما هو حاصل لهذا
العصر بالنسبة إلى فرنسا مثلا حيث تتعايش فيها لغة "الباسك" و"البروفنسال"
و"البروتون". ثم نجد إلى جانب هذا صيغا ملحونة (formes argotiques) من اللغة
القومية تتعاطاها فئات معينة من الشعب، وتعتمد فيها جملة من الاصطلاحات ومن الصيغ
المختصرة للتعبير عن حاجاتها في مجال الشغل أو في مجال الحياة اليومية، الأمر الذي
يجعل السامع يتوهم أن هذه الأنماط من الكلام لا تمت بصلة إلى اللغة المشتقة منها،
فتحصل بذلك ثنائية أخرى في مجال التخاطب لا نجد لها ما يشابهها في البلاد العربية،
وذلك أنك عندما ترهف السمع فيما ينطق به
العربي في الريف وفي المدينة، إن لم يكن من الأعاجم أو ممن جرت ألسنهم على الرطانة
الأعجمية، تجده لا يحيد عن النمط الفصيح إلا في الأعراب وفي بعض المصطلحات الدخيلة
التي ما فتئت اللغة العربية منذ زمن بعيد –وخاصة بعد انتشار الإسلام واحتكاك العنصر
العربي بعناصر أجنبية مختلفة- تستوعبها بعد تكييفها بالصورة التي تجعلها لا يتلعثم
بها اللسان العربي. وما السر في ذلك إلا لأن اللغة العربية الفصيحة قد أصبحت بعد
نزول الوحي وانتشار الإسلام أداة للحفاظ على القرآن والعقيدة، والنمط الثقافي الأول
الذي يخضع له التفكير والتعبير.
لغة الأم أو اللغة الأم؟
تثير قضية
صلة العامية بالفصحى مشكلة من أهم مشاكل التربية وعلمك النفس وهي قضية لغة الأم،
وما تلعبه من دور خطير في نمو الطفل ذهنيا وفي تقدمه المدرسي فيما بعد. وكثيرا ما
احتج دعاة العامية في البلاد العربية بهذا البون القائم بين العربية الفصيحة التي
يدرب عليها الطفل منذ سنته الأولى في المدرسة ولغة الأم التي يتلقاها في البيت. ثم
يقارنون بين هذا الوضع ووضع الطفل الفرنسي أو الإنجليزي الذي يخرج من البيت إلى
المدرسة وقد حذق نمطا من اللغة هو الذي يجري به التدريس. وفي هذه الموازنة عين
التزييف والتضليل، وذلك لأن جل الدراسات الاجتماعية في البلدان المتقدمة قد أقامت
الدليل على خطأ هذا الافتراض مبرزة أن مستويات العامية في المجموعة الفرنسية أو
البريطانية أو غيرها تختلف باختلاف المستويات الاقتصادية والثقافية، ونجاح الطفل في
المدرسة يكون تبعا لذلك. وقد أكدت هذه النتيجة جملة من البحوث قامت في بداية
الخمسينات في الولايات المتحدة ثم انتشرت في بقية البلدان المتقدمة، متخذة من
الفئات غير المحظوظة اقتصاديا وثقافيا مجالا للملاحظة والتحقيق والتجريب. فكان من
نتائجها ان أثبتت أن التفاوت القائم بين لغة الأم ولغة التدريس يشكل حجر العثرة
الأول في سبيل الطفل. ونادى أصحاب هذه البحوث لتلافي هذا النقص بسن طرق تربوية
تعويضية تخصص لهذه الفئات من الأطفال المحرومين، قصد تسديد ما يقاسونه من نقص
وحرمان في محيطهم العائلي، وذلك بتوفير وسائل الإحاطة الثقافية والتربوية الكفيلة
بجعلهم في المستوى الذي تقتضيه المدرسة.
قد يبدو
وضع الطفل العربي في الأوساط غير المحظوظة لا يختلف عن هذا الوضع. لكن الواقع يفيد
بوجود فوارق أساسية لا يمكن الاستهانة بها. ذلك مثلا أن لغة الأم العربية قد جاءت
قريبة جدا من اللغة الأم وهي العربية الفصيحة. أي أن الفوارق بين اللغتين لا تبلغ
حد القطيعة كما هو الشأن بالنسبة إلى اللهجات العامية في بقية المجموعات البشرية
الأخرى. ولم تبقى اللغة الأم في البلاد العربية قائمة المفعول، وثيقة الاتصال
باللغة الأم، إلا أنها لغة القرآن ولأن القرآن مازال عماد التربية وأساس الثقافة
المتفشية في الكل الطبقات الاجتماعية في البلاد العربية الإسلامية، ولربما بصورة
أوضح وأوكد في الطبقات المتوسطة والفقيرة. ودون تحامل على بقية اللغات الأخرى،
وكذلك دون أن نقف من اللغة العربية موقف الإفراط في المدح والتغني بروائعها (كما
فعل ذلك مثلا عباس محمود العقاد في كتابه اللغة الشاعرة) فغنه يبدو جليا لدى من حذق إلى جانب العربية
لغة أجنبية وتمرس على لهجاتها المحلية، أن كلام الريف في أوروبا قلّما نجده على هذا
المستوى من الاتصال بالكلام الفصيح، ذلك الاتصال الذي نلاحظه في الأرياف العربية،
وفي ذلك مظهر من مظاهر عبقرية اللغة العربية التي زادها القرآن تأكيدا، إذ كانت
ومازالت أداة مرنة للإفصاح عما يخالج نفس الإنسان في كل الحالات وفي كل المواقف.
فهي في آن واحد لغة المحسوسات والتجريد ولغة العقل والعاطفة ولغة الاستدلال
والخيال، تختلف لهجاتها ومستوياتها باختلاف الأقاليم والأجيال، لكن دونما مساس
بجوهرها. وهذا عين ما انتهى إليه ابن خلدون في عصره، وهو مازال قائم المفعول، حين
قال:
"وما زالت هذه البلاغة والبيان ديدن العرب ومذهبهم لهذا العهد. ولا تلتفتن في ذلك
إلى خرفشة النحاة أهل صناعة
الإعراب القاصرة مداركهم عن التحقيق حيث يزعمون أن
البلاغة لهذا العهد ذهبت وأن
اللسان العربي فسد اعتباراً بما وقع أواخر الكلم من
فساد الإعراب الذي يتدارسون
قوانينه. وهي مقالة دسها التشيع في طباعهم وألقاها
القصور في أفئدتهم وإلا فنحن
نجد اليوم الكثير من ألفاظ العرب لم تزل في موضوعاتها
الأولى والتعبير عن المقاصد
والتعاون فيه بتفاوت الإبانة موجود في كلامهم لهذا
العهد وأساليب اللسان وفنونه
من النظم والنثر موجودة في مخاطباتهم وفيهم الخطيب
المصقع في محافلهم ومجامعهم
والشاعر المفلق على أساليب لغتهم. والذوق الصحيح
والطبع السليم شاهدان
بذلك".
الخصائص النفسية المتولدة عن
صلة الفصحى بالعامية وما يترتب عنها في مجال اكتساب اللغة
نستفيد مما
تقدم أن مشكلة نمو اللغة عند الطفل العربي تخضع لجملة من العوامل لابد من إبرازها
وتعقبها بالبحث والتحليل، حتى نكون على بينة من طبيعة هذا النمو ومن عناصره
الأساسية التي قد لا ندركها عن طريق الملاحظة البسيطة. ونخص من هذه العناصر ما يوجد
من علاقة بين العامية والفصحى، هذه العلاقة التي قد تجعل الفل العربي من حيث نموه
الانفعالي والذهني ينفرد عن الطفل الأوروبي، كما تجعله كذلك بطيئ النمو أو سريعه
على اختلاف المستوى الثقافي للأسرة التي ينشأ فيها، أي على اختلاف الثقافة
وازدواجية اللغة أن نبين أن التلميذ التونسي لا يتسنى له النجاح في المدرسة منذ
بداية الدراسة الابتدائية (حيث لا يجري التعليم إلا باللغة العربية الفصيحة) ولا
يستطيع فيما بعد أن يتغلب على الصعوبات الناتجة عن تعليم اللغة الفرنسية، إلا إدا
كان متأصلا في الثقافة القومية. وقد استطعنا عن طريق تحقيق شاسع شمل المستويات
الاجتماعية والاقتصادية والمستويات الثقافية أن نبين أن العامل الأول المؤثر في
تقدم الطفل مدرسيا وفي نموه الذهني، إنما هو العامل الثقافي، وذلك على شرط أن يكون
مستوى الأسرة في الوجهة الاقتصادية قد تجاوز عتبة البؤس. هذه نتيجة تأتي مغايرة لكل
ما أقرته مثل هذه البحوث في البلاد المتقدمة (أوروبا والولايات المتحدة)، إذ حصل
شيء من الإجماع بين كل البحاثين على القول بان المستوى الثقافي للأسرة يتبع بصورة
حتمية مستواها الاقتصادي، وانه يكفي أن يضبط هذا الأخير حتى يعتمد عاملا أوحد مؤثرا
في نمو الطفل ذهنيا وفي تقدمه المدرسي. لكن هذا الاعتبار إن صح في شان المجتمعات
الغربية، فهو لا يصح مائة بالمائة في شان المجتمع العربي. وذلك لأن المجتمع الغربي
قد جاء مجزأ إلى طبقات متباينة يفرضها نظام اقتصادي معين هو هذا الذي قام في أوروبا
منذ بداية حركة التصنيع، في حين أن البلاد العربي التي مازالت في جلها بلادا
فلاحية-تجارية أكثر منها صناعية (حتى وإن دبت فيها حركة تصنيع متواضعة) فإننا لا
نجد فيها طبقات اجتماعية بالمعنى الماركسي، بل فئات اجتماعية وأصناف
اجتماعية-ثقافية، هي التي مازالت تكسب المجتمع العربي ملامحه المميزة له. فالفئات
الاجتماعية العربية يمكن تصنيفها إلى فئات غنية وأخرى متوسطة وثالثة فقيرة, لكن هذا
التصنيف لا يعني أن هذه الفئات قارة متحجرة، بل كثيرا ما تنقلب الفئة منها من حال
إلى حال بتغير الأوضاع السياسية، أو عندما تسوء حال المجموعات أو الإفراد لأسباب
اقتصادية أو غيرها، فيكون الانتقال من فئة إلى أخرى نزولا أو صعودا، عرضا من أعراض
المجتمع. لكن الأصناف الاجتماعية الثقافية قلما نجدها متقلبة، وذلك لأن السنن
الثقافية التي لا تستقر في صنف من أصناف البشر إلا بعد ممارسة طويلة وتعهد مستمر،
فهي لا تتلاشى كذلك بين عشية وضحاها لمجرد تغير عيش الناس، بل نجدها تصمد أمام
الأحداث وتتمكن من أجيال البشر عبر العصور، ويكفي أن ندقق الملاحظة حتى نجد هذه
الظاهرة من أخص ظواهر المجتمع العربي الإسلامي. فالسنن الثقافية التي استقرت فيه
منذ عهود بعيدة فجعل علماء الإسلام منذ القدم يحرصون على تدوين كتب الطبقات
ويتتبعون توارث سنن الحديث والفقه والقضاء والعلم والأدب في فئات بل حتى في أسر
معينة، قد دلت على أن الثقافة الإسلامية العربية إن هي استحكمت في قوم واستقرت في
أعراقهم قد تصبح طبعا فيهم لا تغيره عوارض الدهر ولا تؤثر فيه تقلبات الأحوال
المادية. لذلك تجد المجتمع العربي اليوم بعد ما انتابه الركود من قرون وما تبعها من
نكبات استعمارية وانتفاضات سياسية وعسكرية مازالت تعصف بسلم الاجتماع في غير ما
اتجاه ولا هدف واضح، تجد هذا المجتمع يتمتع بشيء من الاستقرار في أصنافه الثقافية
بشكل لا مثيل له في المجتمعات الأخرى. أي أنك تجد بعد تغير طارئ على السلم
الاجتماعي كثيرا من الناس قد تغيرت أحوالهم المادية أو السياسية تغيرا جذريا إلا أن
وضعهم الثقافي لم يتبع هذا التغيير.
قد يثير
هذا الكلام كثيرا من التساؤلات، إذ يبدو من البديهي أن تكون الفئة الحاكمة في مجتمع
ما واثقة من السلطات الثلاث: السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية والسلطة الثقافية.
لكن الواقع جاء مغايرا لهذا، فالفئة الحاكمة إن كانت قبل انتصابها على الحكم فئة
جاهلة أو من صنف اجتماعي-ثقافي لم ترسخ له سنة ثقافية في الماضي، تستطيع بحكم وضعها
السياسي والاقتصادي أن تغنم من التعلم. لكن التعلم وحده لا يكفي لإقرار سنة ثقافية.
وقد استطعنا عن طريق ما قمنا به من تحقيق في الأوساط الشعبية الفقيرة في العاصمة
التونسية أن نقيم الدليل على أن الطفل الفقير الآتي من أسرة استقرت فيها سنة ثقافية
إسلامية عريقة، ولم يحرز أفرادها إلا على نصيب زهيد من التعلم ضمن النظام التقليدي
للتعليم (أي نظام الكتاتيب والجامعة الزيتونية) نجده من حيث نموه الذهني ومن حيث
تقدمه المدرسي يفوق رفاقه من الفئات المحظوظة سياسيا واقتصاديا، الذين لم ترسخ لهم
سنة ثقافية ما. وهذا يأتي خلافا لما هو معهود في البلاد الأوروبية حيث تكون الطبقة
البرجوازية الحاكمة مهيمنة على الحكم السياسي، وكذلك على الاقتصاد وعلى الثقافة.
[1]
أبو زيد عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون،
المقدمة (بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1956)، ص 1046
[2]
نقول الإنسان العربي ولا نقول الإنسان
المسلم العربي، لأن بيئة العربي التي اشتملت على أقليات مسيحية ويهودية، قد جاءت
المفاهيم الإسلامية غالبة عليها إلى حد أنك عندما تمعن النظر تجد الرجل المسيحي أو
اليهودي كثيرا ما يتخلل كلامه عبارات قرآنية أو إسلامية قد أصبحت بالمراس زادا
ثقافيا مشتركا لا يؤثر في السلوك اللغوي فحسب، بل وحتى في كثير من أنماط السلوك
الأخرى.
[3]
مثال ذلك في البلاد العربية: اللغة
البربرية في المغرب الأقصى والجزائر أو اللغة الكردية في لبنان وسورية والعراق أو
اللغة القبطية في مصر...إلخ. فهي كلها لغات قديمة منفصلة عن اللغة العربية إلا أنها
قد تأثرت بها بدافع الدين فاقتبست منها الكثير من مفرداتها وصيغها وتراكيبها.
[4]
يجب استثناء الأمهات الغير العربيات أو
العربيات اللواتي أخرجهن الاستعمار الثقافي من جلودهن فبتن غريبات عن قومهن، لا في
الكلام فحسب، بل وكذلك في التفكير والمشاعر وكل مظاهر السلوك، وذلك عين الاغتراب.
ولسنا نقصد بهذه الملاحظة تبرير ساحة الكثير من الآباء الذين ينعمون بما أدى بهم
إليه الاصطدام الثقافي (l'acculturation) من تزييف الشخصية وتبديل اللسان. وذلك هو عين الاستلاب.